خيانة مشروعة رمزيّة الهوسة وعدائيّتها واضحة

يا عيني ابچي عليه المات موذّر…
ومع هذا غضّ البعثيون المتوثّبون لأي طارئ النظر، لكنّ اهزوجة النسوة الصريحة خلف جنازة “الشهيد” قطعت الشكّ باليقين في ذلك الصباح البارد، وأعطت الحقّ لشواربهم بأن ترفّ:
كلها توذّرت صدّام واليها.
ساد صمت متوجّس قلق، وخفّت رعونة الغبار المتطاير تحت أقدام المهوسچيّة بعد أن انسلّ كثير من المشيّعين في الأزقة التي تشقّ قطاعي 31 و 33.
حسين هو الكائن الوحيد الذي لم ينشغل بالخطر الداهم، ولا بهيبة الموت المكلَّل بعلم العراق الذي غابت إحدى نجومه تحت التابوت، فقد تحوّل كلّه إلى حواس مستفزَّة وهو يركز عينيه في وجه فتاة بعمره تمامًا. كانت جميلة جدًا ما دامت تشبه فاتن حمامة إلى حدّ كبير. تبعثرُها العاجز أمام زحام فرن الصمون أعطى لحسين فرصة طيّبة لأن يقترب منها:
ـ تردين صمون؟
ـ اي… الوادم هواي والسره ما يلوحني للضحه.
بهت صوت الهوسة بعد أن بعدت الجنازة ولم يبق منه غير خرخشة الدنبوگات العائمة على البرد والغبار.
ـ انتِ شسمچ؟
ـ شلّك باسمي؟ ثم اردفت: سليمة.
حسين مهووس برغم صغره بأشياء كثيرة، من بينها البحث عن طعوم الكلمات وألوانها. فتّش في تلافيف مخيّلته المزحومة بعيني فاتن حمامة وشفتيها وتفاصيل وجهها كلّه عن لون وطعم مناسبين لكلمة سليمة وهو يستغل ضآلة جسده لاختراق سره الزلم للوصول إلى المربع الذي يشرف على فضاء الفرن الساخن. لم يجد ما يناسب اسم سليمة غير لون البرنج وطعم فوح العنبر.
وصلت الجنازة إلى تقاطع قطاعي 31 و33 مع شارع السفارة. كانت الصتيتة التي تجلّل رأس حسين أعلى بكثير من تلك التي سادت حشد المشيّعين بعد أن أُلقي القبض على خمس أو ست نساء بحجّة الإهانة المقصودة للحرب المقدّسة وبطلها. أُستثنيت أمُّ الشهيد من الاعتقال لأسباب تخصّ صحّتها بعد أن انسحنت روحها ومُدّدت في الجزرة الوسطيّة وقد تلقت صفعات ماء ثلجي على وجهها وصدرها.
حين سلّمها حصّتها من الصمون رفض حسين أخذ الدرهم بإصرار، لكنّها رمته عليه. قالت قبل أن تختفي في زقاق قريب في قطاع 33:
ـ خويه آنه كلّش ممنونة.
***
لا يفيض عن حاجة حسين شيء في اللغة، لذا قلّب عبارة “خويه آنه كلّش ممنونة” على أدّق احتمالات اللغة وتصاريفها، فعدّها بداية يمكن أن يقبلها الأبطال، الذين وقفوا أمام فاتن حمامة، بدايةً لقصّة حبّ ترسخ طويلًا في الذاكرة. طفولة حسين قصيرة مبتورة، أو أنه بلا طفولة، فقد بدأ اكتمال وجوده الرجولي حين جلس أوّل مرّة على رحلة في مدرسة قلعة صالح الابتدائيّة التي يدنو سياجها من مشارف دجلة. احساسه مضاعف ويقظ ومبكّر بالوجود وأسراره الطلسميّة، فقد نظر إلى الموت على أنه الاحتمال الوحيد الذي يقطع الطريق على ديمومة المتع التي يقف الحبّ اطارًا لها ووعاءً. لذا حين شاعت بوادر الارتحال إلى الثورة لم يجد ما يقيم أود ذكرياته غير نقش اسمه عميقًا على الرحلة محاطًا بقلب كبير.
سليمة مزدحمة بالأنوثة برغم غضاضتها. تشبهه بطريقة ما بعد أن تيقّن من شبهها الفردوسيّ بفاتن حمامة. صحيح أن وجه سليمة حمّال وجوه وهو محاط بشعر له من الذهب بريقه، لكنه بمجمله ضمن توقّع حسين وأمانيه. أنفها وحده باعث على الحسرة باستقامته وصغره، فذكّره بهاؤه بحسراته وهو يفترض بطولة قدريّة متخيّلة مع فاتن حمامة على النيل الذي يستبدله بدجلة. السيناريوهات التي تفيض في رأس حسين مبتورة دائمًا، ومع هذا هي كافية لأن تمنحه البهجة، بهجة الانفراد بالمتع وإن كانت لا تتعدى رأسه.
وفي ليلتها، لم يجد حسين ثانية واحدة، ولا مكانًا مهما صغر، تخلو من وجه سليمة ومن صوتها وهي تفتتح جملتها، التي عدّها نهجًا وسراطًا سيقتفي غزارة دلالاته، بكلمة “خويه” التي تشبه تربيتةً على القلب.
الولادة الأولى الحقيقيّة لحسين، التي بدأ مخاضها أمام الفرن، تمّت في صباح اليوم التالي حين دخل الصف السادس في مدرسته، ثغر العراق الابتدائية، فكان وجهًا لوجه مع أحد أبواب الجنة. كانت سليمة تجلس في الرحلة الثانية من جهة الشبابيك، فهذا يومها الأوّل في هذه المدرسة بعد أن نزح أهلها من ذنايب المشرّح. حين رآها تخثّر في وقفته، وتذكّر قلعة صالح وسنواته الأولى فيها دفعة واحدة، وسطع وجه فاتن حمامة بوضوح. لا يدري لِم شعر أنّه الآن أطيّب وأكثر تفاؤلًا، وأن السيطرة على الوجود الممتد ممكنة برغم وعورته. شعر حسين أن سليمة في المدرسة أجمل بكثير، ربما لأنّ دشداشة البيت واسعة، أو لأنّها بالغت في تسريح جناغ مشعّ بوهج ذهبيّ على خدّها. وشعر بطريقة ما أن القادم من مسؤولياته أشقّ مادامت رؤيته لفاتن حمامة ستكون يوميّة. عليه أن يكون غيره في كلِّ شيء، عليه أن يحبّ دروسه ووجوده في “ثغر العراق” مادامت سليمة فيها. واكتشف كثيرًا من الجمال لأنّ الأيام اكتست حلّة جديدة زاهية، لسبب بسيط جدًا يعرفه حسين، أوجزه بكلمة واحدة برغم غضاضته: العشق. العشق عنده تغاضٍ إراديّ جادٍّ عن الموت وسفاسفه، وترّهات الوجود غير المجدية. كتب في مستهل دفتر الانشاء بخطٍّ حرص على أن يكون جميلًا: ساذج من يصدّق موتَ العاشق. حين كان يغرق في عيني سليمة تأتلق ذاكرته بحقول القمح قرب “ابن علي”، وغدت الثورة بخرائطها المكتظة تضاهي في سموها وسموقها العمارة، مع أنه لم يرَ فيها في بداية حلوله فيها مكانًا يصلح للحبّ. عرف أنّه عاشق كبير برغم ترافة عمره من ندرة تذمّره، ومن حرصه على أن يكوي قميصه وبنطرونه قبل الذهاب إلى “ثغر العراق”، ومن ملمّعات الشعر المعطَّرة، ومن رفضه الثابت لكثرة النزاعات في الثورة، فهو يرى أن المكان، أي مكان، يسع الجميع ويصلح لهم ماداموا يقدّمون إنسانيّتهم. هو يعرف أنّ الناس في الثورة طيبون، ماداموا يبحلقون بعناقيد النجوم في حلكة لياليهم، أو أنّه يريدهم كذلك ليستمرّ في مهمّته الزاهية.
لم يعد يهتمّ كثيرًا بحوادث الأرصفة التي يمرّ عليها مادامت سليمة برفقته. يلفّق لها أكاذيب لا تضر ليُضحكها، ويفكّر جادًا بالتدخين. كانت الشهيّة للحياة أوضح ما فيه. كيف لا وهو يرى مجده كاملًا في عينيها؟ لكن ثمة ما يخز قلبه، فحبّه مدرسيّ نادر، تنقصه الضمانة، وغير مفهوم للكبار كخطّ كتابته. لذا قال لها بعد أن اجتازا قطاع 31 باتجاه مريدي:
ـ لازم نسقّط ارواحنا هاي السنة.. المتوسطة ما بيها مختلط. گدامنا سنة.. سنة كاملة بعد..
فوافقته على اقتراحه فورًا.
قال لها وهو يطيل النظر في نهايات أصابعها، التي يرى فيها حلولًا لمشكلاته كلّها:
ـ بيناتنا العبّاس؟
ـ بيناتنا العباس.
أمضى سليلا الماء عهدهما بشبك كفّيهما وهما يجتازان خزلة صخول فرّت من سيّارة مسرعة.
***
ذهب حسين وحده إلى “ثغر العراق”. كان الجو ساخنًا جدًا، لذا وضع منديلًا بين عنقه وياخة القميص المكوي بعناية. كان يحلم بأن يشبك كفّه بكفّ سليمة بعد أن يستلما نتيجة امتحان البكالوريا، وهما ينظران طويلًا في وثيقة ما تعاهدا عليه، وقد أضاءها ختم “ثغر العراق” بنوره الأزرق.
استلم وثيقة امتحانه، وكانت النتيجة المتوقّعة الرسوب بستة دروس. وانتظر قدوم سليمة، لكنّها لم تأتِ. سأل المدير إن كان بإمكانه استلام نتيجتها، فرفض بشدّة. وقال مستدركًا:
ـ سليمة ناجحة.. واستلمت نتيجتها من الصبح.



