ثقافة وفنون

الكاتب الاستقصائي منتظر ناصر

متابعة :اكرم فارس
قاص وكاتب وصحفي استقصائي
عضو الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين
عضو الاتحاد العام للكتاب والأدباء في العراق
عمل في أكثر من وسيلة إعلام عراقية وعربية ويشغل حاليا منصب رئيس تحرير صحيفة “العالم الجديد”، التي أسهم بتأسيسها في 2013، وهي الصحيفة الإلكترونية المستقلة الوحيدة في العراق، والوحيدة التي تولي اهتماما خاصا بالتحقيقات الاستقصائية، حيث حاز عدد من تحقيقاتها جوائز عربية ودولية.
كتب مئات المقالات والتقارير والقصص الصحفية والتحقيقات الاستقصائية في وسائل الإعلام العراقية والعربية.
يعد العراقي الوحيد بين مئات الصحفيين العرب والأجانب الذين شاركوا في أشهر وأكبر تحقيق استقصائي في العالم، وهو “أوراق بنما” عام 2016.
عضو لجنة التحكيم الخاصة بمسابقة صحفية دولية أقامتها مؤسسة CFI الفرنسية بالتعاون مع مؤسسة “سمير قصير” اللبنانية في العام 2017 تحت عنوان “نسيج”.
بسبب التحقيقات والتقارير الصحفية ضد الفساد، تعرض إلى الكثير من المضايقات الحكومية والسياسية، فقد تم طرده من شبكة الإعلام العراقي، ولاحقته هيئة الإعلام والاتصالات بدعوى قضائية شهيرة في العام نفسه، لكن القضاء العراقي برأه منها، وسط تظاهرات شعبية مطالبة بالإفراج عنه.
شارك في عشرات البرامج الحوارية السياسية في الفضائيات والاذاعات العراقية والعربية والدولية.
شارك في ورش ومؤتمرات عديدة عربية ودولية في فرنسا والمانيا والولايات المتحدة ولبنان وتونس والأردن.
أسهم بتأسيس “مركز امارجي للتطوير الاعلامي” في 2017، ويترأسه حاليا، وهو مركز يهتم بتدريب الصحفيين الشباب وتطوير مهاراتهم، لإيمانه بضرورة إنتاج جيل مؤمن بالعمل الصحفي المستقل.
كتب أول بحث أكاديمي عن المليشيات في العراق، وذلك عام 2006.
كاتب قصة قصيرة متميز، سجل حضوره المبكر والبارز بين أبناء جيله، حيث حصل في العام 2007 على جائزة كلية الآداب بجامعة بغداد، وعلى جائزة الابداع العربي في الشارقة (الإمارات) عن مجموعته القصصية الأدبية “شناشيل ذابلة” 2009.
لديه مجموعة قصصية جديدة مخطوطة ساق أخرى للبيع
منتظر ناصر
قصة قصيرة

أفاق باكرا على غير عادته هذا الصباح، واعتدل في فراشه مداعبا خصلات شعر زوجته المطلية بلون شبابي غامق.. وحين فاجأتها عيناه المستيقظتان بتوهج، رفعت رأسها مبتسمة، لتزيح عن عينيها غبار الكرى.. ثم نهضت لتكنس سكون الصباح بصوت إعدادها فطورا سريعا لزوجها المتأهب لمشوار هام اليوم!

لملم ساقه اليتيمة، وتناول عكازين منكفئين قربه، قبل أن يخاطبهما:

  • هل سأستغني عنكما حقا؟..

ثم استند الى جدار بيته الهرم ليعد الاموال التي جمعها لسنوات طويلة، مقتنعا بأن لحظة إنفاقها قد حانت! فوضع رزمة النقود التي كان يتوسدها منذ ليلة البارحة داخل كيس أسود، ثم حشرها في جيب بنطاله المطروح بجانبه كي يرتديه فيما بعد..

تناول إفطاره بعجالة، وتثبت من كمية المال الموجود بحوزته، متأبطا عكازيه الذين لم يملا من حمله طيلة عقدين من السعي رغم تآكل أرضيتهما البلاستيكية.. وخرج قاصدا مقر المعرض الدولي في قلب المدينة!

بأسارير منفرجة فتح الباب متهاديا في مشيته حتى تلاشت تدريجيا دعوات زوجته بالحصول على ساق تزيح عنه عوق الأعوام السالفة!!
…………

تحسّس رأسي عكازيه الخشبيين اللذين احتملا عرقه ونتانة أبطيه وسببا لهما خشونة دائمة، وهو يستقل سيارة أجرة.. أخذته في شوارع العاصمة الممتلئة بمختلف الدعايات والصور التي تعلن عن إقامة هذا النوع من المعرض للمرة الاولى في تاريخها!!

تطلّع باهتمام وسرور بالغين نحو اللافتات الصغيرة والكبيرة، قبل ان يترجل أمام بوابة \”المعرض الدولي\”، حيث توقف قليلا ليستنشق عبق الخريف الذي أنعش بنسماته الباردة أمله في الحصول على مبتغاه!

اقتحمت وجهه ابتسامة قسرية، وهو يطالع لوحة كبيرة ترحب بزوار \”معرض الأطراف البشرية الدولي الأول\”!!

واصل سيره نحو قاعة العرض، ليمر عبر حدائق كبيرة مشطورة بممر ضيق متصل بباب القاعة التي ما إن دلف داخلها حتى عبّ روحه لهفة وسعادة غامرتان، امتزجتا بدبيب خطوات خجولة لبعض الزوار.. وقد سحرَهُ ترتيب الأطراف البشرية المنسقة بعناية فائقة، والتي قُسّمت حسب النوع داخل أقسام مصطنعة ومنفصلة عن بعضها.

تمهل في خطوه قليلا ليشاهد لوحة سرّته كثيرا، وبعثت فيه شيئا من الاطمئنان مكتوبا بداخلها \”مستعدون لتركيب العضو المناسب\”!!

تجول بسعادة مفرطة بين أعضاء بشرية متنوعة، بدأت بأيادٍ من مختلف الأحجام والألوان.. سواعد، أكف، وأذرع كاملة.. بيضاء، سوداء، وسمراء، بعضها لأطفال، وأخرى لشيوخ، نساء، وشباب، فقدها اصحابها في حروب ونزاعات داخلية وخارجية!

حثه شعور باللهفة واستغلال الوقت الى البحث عن \”قسم السيقان\” للحصول على ساق ملائمة.. فتخطى الأعضاء البشرية الأخرى.. أقداما، أصابع، آذانا، أنوفا، وأسنانا…!

وأثناء سيره فوق أرضية الممر الحمراء استوقفه صندوق زجاجي ضخم ومرتفع كتب أسفله \”للعرض فقط\”! تلبسه فضول كبير.. فابتعد قليلا ليتسنى له رؤية ما بداخله، ليتمكن من رؤية كرات ملفوفة بقماش أحمر شفاف.. دقق النظر فتبين له ملامح رؤوس!! ذيلت بشريط كتب تحت أحدها رأس سقراط فيما كتب تحت الآخر رأس يحيى بن زكريا، وقرأ تحت الثالث رأس الحسين بن علي! وكان بجانب تلك الكرات الملفوفة أذن صغيرة مقطوعة بفجاجة كتب تحتها أذن فان كوخ!!

اقشعر بدنه، وأطرق برأسه متألما للنهايات الحزينة!

همهمات الزبائن بدأت تعلو.. وضجيج الزوار أخذ يلامس ذهنه المشغول بالبحث عن ساق يسرى!

تطلع نحو زوار المعرض ففاجأته قلة أصحاب العاهات بينهم.. فرأى نساءً متوسطات الاعمار ورجالا قصار القامة يتطلعون بشغف كبير نحو أطراف بشرية أكثر جمالا، واقل عمرا علهم يحظون بأذرع اجمل أو سيقان أطول، كي يتمتعوا بقية أعمارهم بوسامة وجمال أكبر! أشاح بنظره عنهم واضعا قدمه بثقة أمام قسم السيقان، واستمتع بمنظرها المرصوف بشكل مثير.. بهرته أنواع مختلفة منها، فوجد سيقانا مرتبطة بأفخاذ، وأخرى منفصلة عن الركب! ولاحظ أيضا اقداما فقط!

انتبه الى كثرة ألوان السيقان المتراصة بدقة فائقة، اذ فيها البيضاء والسوداء والسمراء والصفراء والحنطية! لذا أخذ يبحث عن ساق يسرى قريبة من لونه \”الحنطي\”، ومنفصلة من الركبة، ولأن السيقان بعيدة عن متناول يده فقد استعان بالأرقام المثبتة فوقها فحفظ ارقام ثلاثة منها وجدها ملائمة بعض الشيء، وذهب نحو البائعة الشابة التي أبدت ابتسامة لطيفة، وأحضرت له الدليل ليقرأ المواصفات الخاصة بها.. قرأ ما كتب أمام الأولى بشغف \”ساق نازح بوسني قطعت بسبب نزاع أهلي العام 1995.. العمر 75 سنة.. الطول 45 سم\”.. فكر قليلا:

  • ربما تكون مصابة بهشاشة العظام؟

بحث عن الأخرى علها تكون أكثر صلابة وشبابا! قرأ ما كتب أمامها \”ساق جندي ياباني بُترت إبان الحرب العالمية الثانية العام 1945.. العمر 40 سنة.. الطول 35 سم\”.. ولكونها قصيرة جدا بالنسبة لساقه الحقيقية، فقد انتقل الى معلومات الساق الثالثة، حيث قرأ أمامها \”ساق جندي عراقي أعيقت خلال الحرب العراقية الايرانية العام 1987.. العمر 18 سنة.. الطول 45 سم\”!
ابتهج رغم ترويع الاحداث.. فطلب من العارضة شراء تلك الساق التي اعتبرت الأغلى بين السيقان، واجهته بترحيب ممزوج بابتسامة عذبة، وكتبت له وصل قبض بالمال ثم حددت له موعدا لتركيب الساق على يد فريق طبي مختص!

عاد الى بيته مفعما بأمل قوي في أن يحيا بقية عمره بساقين سليمتين..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وبعد إجرائه لعملية جراحية معقدة ربطت فيها جميع الأعصاب والأوردة الدموية خضع لفترة نقاهة لم تدم طويلا واتبع جميع الارشادات الطبية التي تلقاها من الفريق الطبي المكلف بلصق الساق.. حتى عاد مفعما بالتفاؤل ومثقلا بالذكرى!

مر العامان الأولان بشكل جيد.. رمى العكازين في أقرب مزبلة بعد ستة اشهر من تاريخ العملية، وترك العلاج الطبيعي نهائيا بعد ذلك بأربعة اشهر، ومارس المشي بحيوية ومن دون تلكؤ..

لكنه وفي العام الثالث بدأ يشعر بشيء غريب لم يألفه.. فقد أحس بزيادة في طول ساقه الجديدة.. أول الامر لم يعبأ بذلك، ظاناً أن شيئا عاديا ما يوخزه أسفل قدمه، الا انه ومع مرور الوقت بدأت مشيته تأخذ شكل عرج خفيف! حتى شعر بالحاجة تدريجيا الى عصا يتوكأ عليها فمن دونها كان يفقد توازنه وربما يتعرض للسقوط!

ساقه الجديدة هذه بدأت تطول بشكل لا يصدق حتى أن العصا لم تعد تنفعه، ما اضطره لشراء عكازين جديدين! فكان يطوي معهما أحد الساقين ويمشي بالأخرى!

كان ينتظر انعقاد معرض الاطراف البشرية الدولي مرة أخرى بفارغ الصبر ليستشير ذلك الفريق الطبي المختص فقد يتمكن من استبدال تلك الساق او استرداد نقوده.. غير ان المعرض لم يعقد طيلة الأعوام الخمسة التي مرت بعد ذلك من دون أمل بانعقاده ثانية!

ومع عجز معظم الاطباء الذين راجعهم عن تفسير الظاهرة، قرر في نهاية المطاف الذهاب الى عيادة أحد الأطباء المشهورين والذي توصل بعد اجراء عدد من الفحوصات والتحاليل الى حل اللغز المحير.. حيث توصل الى أن المشكلة تكمن في كون الساق الشابة التي بدأت تتكيف أنسجتها مع أنسجة جسمه الأخرى تترابط مع عروقه وتتواشج مع شبكته العصبية، أخذت تنمو بحسب وضعها الطبيعي لتبلغ 50 سم، فهي حتى اللحظة اقتربت من منتصف عقدها الثالث، وربما تطول أكثر! وأضاف الطبيب:

  • لسوء الحظ فصاحب الساق كان طويلا جدا!

ثم أردف:

  • الان ومع بلوغك الخمسين لن يعود بإمكانك زرع ساق بديلة.. فأوردتك لم تعد تتقبل اوردة اخرى!

ثم نصحه بأن يتنازل عن تلك الساق، لانها ستطول أكثر وستعيق حركته بشكل أكبر.

مع سماعه كلام الطبيب أحس بكابوس ثقيل يجثم فوق صدره، شاعرا بثقل الخسارة، وغباء الخطوة التي اضاعت ماله وجهده وتفكيره.. حتى أنه تمنى الاستيقاظ سريعا من ذلك الكابوس الفج علّه يتمسك بعكازيه المهترئين، ولا ينظر الى ساق أخرى مطلقا!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى